السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

426

مفاتيح الأصول

الحق ويظهر من المجلي المصير إليه أيضا وفي التجريد وفي وجوب إسقاط العقاب بها إشكال للأولين وجوه منها ما ذكره في الكشف فقال احتجت المعتزلة بوجهين الأول أنه لو لم يجب إسقاط العقاب بها لم يحسن تكليف العاصي والتالي باطل إجماعا فالمقدم مثله بيان الشرطية أن التكليف إنما يحسن للمتعرض للنفع وبوجود العقاب قطعا لا يحصل الثواب وبغير التوبة لا يسقط العقاب فلا يبقى للعاصي طريق إلى إسقاط العقاب عنه ويستحيل اجتماع الثواب والعقاب انتهى وفيه نظر أما أولا فلأنه مستلزم لرفع التكليف عن العاصي قبل التوبة وهو باطل بالضرورة من الدين ومن العقل وأما ثانيا فلما ذكره في الكشف فقال والجواب عن الأول لا نسلم انحصار سقوط العقاب في التوبة لجواز سقوطه بالعفو أو بزيادة الثواب سلمنا لكن نمنع المساواة بين الشاهد والغائب ومنها ما ذكره في الكشف أيضا فقال الثاني أن من أساء إلى غيره واعتذر إليه بأنواع الاعتذارات وعرف منه الإقلاع عن تلك الإساءة بالكليّة فإن العقلاء يذمون المظلوم إذا ذمّه بعد ذلك وأورد عليه بأن من أساء إلى غيره وهتك حرمته ثم جاء معتذرا لا يجب في حكم العقل قبول اعتذاره بل الخيرة إلى الغير إن شاء صفح وإن شاء جازاه وأشار إلى هذا في سرماية الإيمان فقال منع الشيخ الطوسي قبح المؤاخذة مع الاعتذار إذ بالاعتذار يحسن ترك العقاب لا أنه قبيح معه إذ لو كان مستحقا للعقاب فمجرد الاعتذار لا يرفع الاستحقاق بل هو باق بالضرورة ومع بقاء الاستحقاق لا يقبح العقاب بالضرورة ولو استبعد أحد ما ذكرناه فليقسه إلى سائر الحقوق الثابتة حتى يرتفع الاستبعاد فإن قالوا صاحب الحق إن كان محتاجا إلى حقه لم يكن طلب حقه قبيحا ولو مع الاعتذار ولكن إذا كان مستغنيا عنه كانت المطالبة مع الاعتذار قبيحا قلنا هذا الفرق إنما يتجه حيث يكون سبب حسن المؤاخذة منحصرا في الاحتياج وهو ممنوع لجواز أن يكون السّبب غيره من مصلحة أخرى في المؤاخذة أو مفسدة أخرى في تركها وجميع الأفعال الإلهية من هذا القبيل فلا يلزم من فقد الحاجة كون مطالبة الحق قبيحا انتهى وفي المجلي فقال في مقام الاحتجاج للمعتزلة إن سقوط الذم عقيب التوبة واجب فكذا العقاب لأنهما معلولا علَّة واحدة وهو فعل القبيح وسقوط أحد المعلولين يستلزم سقوط المعلول الآخر لارتفاع العلة بارتفاع أحدهما فيرتفع الآخر بارتفاعها ولهذا إنه متى اعتذر إلى من أساء وعرف صحة نيته وخلوص اعتذاره وندمه وجب أن يسقط على تلك الإساءة ولهذا إن العقلاء يذمّون من يذمه عقيب ذلك والاعتراض عليه أما أولا فلابتنائه على منع العفو وهو ممنوع مع أن بعض القبائح يقتضي الذم ولا يقتضي العقاب كما في حقه تعالى مع العفو أقول علم من هذا أن الذم والعقاب لا تلازم بينهما في الوقوع ومع عدم التلازم جاز ارتفاع أحدهما دون الآخر نعم هما متلازمان في الاستحقاق فيتم الكلام على تقديره فإن قلت لو لم يجب قبولها لما وجب قبول الإسلام من الكافر فلا يصحّ تكليفه وذلك مخالف للإجماع قلت الفرق ثابت فإنه لما ثبت دوام عقاب الكافر وعدم جواز انقطاعه بالأدلة النقلية لم يكن ثم طريق إلى حسن تكليفه إلا بوجوب قبول إسلامه ولا كذلك العاصي لوجوب انقطاع عقابه بل وجواز العفو عنه فلا يقبح تكليفه حينئذ لثبوت استحقاق الثواب له وإن لم يجب قبول توبته فمع الفرق لا يتحقق الإيراد قال والحق أنه يفصل فإن سقوط العقاب إن كان لوجوب قبولها فهو ممنوع فإن من أساء إلى غيره بأعظم الإساءات ثم اعتذر إليه لا يجب في العقل قبول عذره ولا يذمه العقلاء على عدمه بل قد يحسن رده وعدم العفو عنه وإن كان لكون الثواب بها أكثر فذلك باطل لابتنائه على التحابط انتهى وللآخرين ما ذكره في الكشف فقال أما المرجئة فقد احتجوا بأنه لو وجب سقوط العقاب لكان إما لوجوب قبولها أو لكثرة ثوابها والقسمان باطلان أما الأول فلأن من أساء إلى غيره بأنواع الإساءات وأعظمها كقتل الأولاد ونهب الأموال ثم اعتذر إليه فإنه لا يجب قبول عذره وأما الثاني فلما بينا من إبطال التحابط انتهى وفي المجلي أوجب سقوط العقاب بها المعتزلة وقال المرجئة إنه تفصل وبنوه على أصلهم من منع العفو عن الفاسق انتهى والأقرب عندي في المسألة هو القول الثاني وفرع بعض أصحابنا على الخلاف المذكور الخلاف في أن التوبة من معصية هل يستلزم سقوط العقاب على جميع المعاصي أو لا بل التوبة من كلّ معصية يستلزم سقوط عقابه بخصوصه ولا يتعدى إلى غيره وجعل الاحتمال الأول متفرعا على القول الأوّل والاحتمال الثاني على القول الثاني الثّالث عشر قال في الكشف قال والعقاب يسقط بها لا بكثرة ثوابها لأنها قد تقع محبطة ولولاه لانتفي الفرق بين التقدم والتأخر والاختصاص ولا يقبل في الآخرة لانتفاء الشرط أقول اختلف الناس هنا فقال قوم إن التوبة يسقط العقاب بذاتها لا على معنى أنها لذاتها تؤثر في إسقاط العقاب بل على معنى أنها إذا وقعت على شروطها والصفة التي تؤثر في إسقاط العقاب أسقطت العقاب من غير أمر زائد وقال آخرون إنها تسقط العقاب لكثرة ثوابها واستدل المصنف على الأول بوجوه الأول أن التوبة قد يقع محبطة بغير ثواب كتوبة الخارجي من الزنا فإنه يسقط بها عقابه من الزنا ولا ثواب لها الثاني أنه لو أسقطت العقاب بكثرة ثوابها لم يبق فرق بين تقدم التوبة على المعصية وتأخرها عنها كغيرها من الطاعات التي تسقط العقاب بكثرة ثوابها ولو صحّ ذلك لكان التائب عن المعاصي إذا كفر أو فسق يسقط عنه